المقريزي
71
إمتاع الأسماع
وكان فيهم أخوان من كندة ، أما أحدهما ففارق القوم قبل ذلك ، وأما الآخر فلحق بأخيه حين رأى ما رأى ، فبينا هو يحدثه عنها إذا رأى طيرا منها فقال : كان هذا منها ، فدنا منه الطائر فقذفه بحجر فمات ، فقال أخوه الناجي منها : إنك لو رأيت ولن ترانا * لدى جنب المغمس ما لقينا خشيت الله لما بث طيرا * بظل سحابة مرت علينا وما تواكلهم يدعو بحق * كأن قد كان للحبشان دينا فلما أصبحوا الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم يروا أحدا غشيهم ، فبعث ابنه عبد الله على فرس له سريع ينظر ما لقوا ، فإذا القوم مشدخون ( 1 ) جميعا فرجع يرفع فرسه كاشفا عن فخذه ، فلما رأى ذلك أبوه قال : إن ابني أفرس العرب ، وما كشف عن فخذه إلا بشيرا ونذيرا . فلما دنا من ناديهم بحيث يسمعهم الصوت ، قالوا : ما وراءك ؟ قال : هلكوا جميعا ، فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم ، فكانت أموال بني عبد المطلب من ذلك المال . وقال عبد المطلب : أأنت منعت الجيش والأفيالا * وقد رعوا بمكة الأجبالا ؟ وقد خشينا منهم القتالا * وكل أمر لهم معضالا شكرا وحمدا لك ذا الجلالا وقال عكرمة بن عامر العبدري : الله ربي وولي الأنفس * أنت حبست الفيل بالمغمس فانصرف شمر بن مفصود هاربا وحده ، وكان أول منزل نزله سقطت يده اليمنى ، ثم نزل منزلا آخر فسقطت رجله ( 2 ) اليسرى ، فأتى منزله وقومه وهو حينئذ لا أعضاء له ، فأخبرهم بالخبر وقص عليهم ما لقيت جيوشه ، ثم فاضت نفسه وهم ينظرون .
--> ( 1 ) الشدخ : الشج . ( 2 ) في ( دلائل أبي نعيم ) : ( يده ) في الموضعين .